الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

80

الأخلاق في القرآن

ولا على المسيئين ملامة ! ) . وبناءً على ذلك ، فقد تحرّك الأنبياء عليهم السلام ، قبل كلّ شيء لتوكيد الإرادة الإنسانيّة ، وخصوصاً نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله ، ولأجل تحكيم الأسس الأخلاقيّة وتهذيب النّفوس . وعلى كلّ حال ، فبحث الجَبر والاختيار ، والمسائل الأخرى مثل القضاء والقدر ، والهداية والضّلالة ، والسّعادة والشّقاء ، من وجهة نظر القرآن الكريم ، هو بحثٌ مستقلٌ وسيعٌ ، سنتطرق لتفسيره الموضوعي في المستقبل إن شاء اللَّه ، والهدف هنا هو الإشارة لهذه المسألة ، وتأثيرها في المسائل الأخلاقية ، وليس الدخول في تفاصيلها فعلًا . أمّا الذين يتحركون من موقع اللّذة ، ويعتبرونها من أهمّ القيم ، فهؤلاء لا يعتبرون الأخلاق من المُثل النّبيلة والسّلوكيات الحسنة ، لأنّها لا تُوافق أصولهم ، وكما قال « آريس تيب » ، الذي وُلد قبل الميلاد : الخير هو اللّذة ، ولا شرّ سوى الألم ، والهدف النّهائي للإنسان في الحياة : هو الّتمتع بلذائذ الدنيا ، ولا يجب التّفكير بنتائجها الصّالحة أو السيئة ) « 1 » . هذا وقد غاب عن أولئك ، أنّنا وعلى فرض حصرنا اللذائذ في الماديّات فقط ، وتركنا اللّذائذ المعنويّة الّتي هي أعلى وأسمى لذّةٍ للرّوح ، فلا يمكن الوصول للذائذ الماديّة إلّا برعاية الأخلاق ، وذلك لأنّ الّتمتع والالتذاذ بالشّيء ، من دون قيد أو شرطٍ ، يعقبه ألم شديد على مستوى النّفس والبدن ، ولأجله يجب أن نصرف النّظرً عن تلك اللذّة التي يعقبها ألم أقوى وأشد . وهذا الكلام وإن كان قد صدر ، ممّن يُعتبرون في عداد الفلاسفة ، ولكنّه في الحقيقة يشبه كلام المعتاد على الأفيون ، الّذي إذا نصحوه قالوا له : إنّ لذّتك هذه ستسبب لك المتاعب والآلام العظام ، فيجيب : إنّ اللّذة الحاضرة هي الأصل ، ولا يعلم ما ذا سيكون في الغد ، ولكن الذي ينتظره في الغد ، ليس سوى المرض العصبي ، والإرهاق والقلق ، وما إلى ذلك

--> ( 1 ) . علم الأخلاق أو الحكمة العمليّة ، ص 243 .